@aligarni2
علي القرني

الفرق بين المرأة و الزوجة في القرآن الكريم (ابن القيم)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه , أما بعد : وبعيد عهد بمجريات الأمور فيه , وقد مررت اليوم على النقاش حول لفظ الزوج والمرأة في القرآن الكريم , ووجدت القضية قد تم طرحها في ملتقى أهل الحديث أيضاً , فأحببت أن أنقل ما عندي من كلام أهل العلم بنصه من كتاب (جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام) لشمس الدين أبي عبد الله ابن القيّم رحمه الله تعالى .

قال رحمه الله :
" فصل : في الكلام على الزوج هل يختلف لفظه بين الذكر والأنثى وتحقيق ذلك
وأما الأزواج فجمع زوج، وقد يقال: زوجة، والأول أفصح، وبها جاء القرآن، قال تعالى لآدم: اسكن أنت وزوجك الجنة [الأعراف:19]، وقال تعالى في حق زكريا وأًصلحنا له زوجه [الأنبياء:90]، ومن الثاني : قول ابن عباس رضي الله عنه في عائشة رضي الله عنها: إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة. وقال الفرزدق :
وإن الذي يبغي ليفسد زوجتي . . . كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وقد يجمع على زوجات، وهذا إنما هو جمع زوجة، وإلا فجمع زوج أزواج قال تعالى: أنتم وأزواجكم تحبرون [الزخرف:70]، وقد وقع في القرآن الإخبار عن أهل الإيمان بلفظ الزوج مفرداً وجمعاً كما تقدم.
وقال تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم [الأحزاب:6]، وقال تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك [الأحزاب:28]، والإخبار عن أهل الشرك بلفظ المرأة قال تعالى:تبت يدا أبي لهب إلى قوله: وامرأته حمالة الحطب [المسد: 1-4]، وقال تعالي: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط [التحريم:11]، فلما كانتا مشركتين أوقع عليهما اسم المرأة لما كان هو المشرك وهي مؤمنة لم يسمها زوجا له،وقال في فرعون :وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ،وقال في حق آدم :اسكن أنت وزوجك الجنة [ البقرة:35]، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا أحللنا لك أزواجك [ الأحزاب:50]، وقال في حق المؤمنين : ولهم فيها أزواج مطهرة [البقرة:25].
فقالت طائفة - منهم السهيلي وغيره - إنما لم يقل في حق هؤلاء الأزواج ، لأنهن لسن بأزواج لرجالهم في الأخرة، ولأن التزويج حلية شرعية، وهو من أمر الدين، فجرد الكافرة منه كما جرد منها امرأة نوح وامرأة لوط.
ثم أورد السهيلي على نفسه قول زكريا: وكانت امرأتي عاقراً [مريم: 5]، وقوله تعالى عن إبراهيم: فأقبلت امرأته في صرة [الذريات : 29].
وأجاب بأن ذكر المرأة أليق في هذه المواضع، لأنه في سياق ذكر الحمل والولادة، فذكر المرأة أولى به. لأن الصفة التي هي الأنوثة هي المقتضية للحمل والوضع، لا من حيث كانت زوجا.
قلت: ولو قيل إن السر في ذكر المؤمنين ونسائهم بلفظ الأزواج أن هذا اللفظ مشعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران، كما هو المفهوم من لفظه، فإن الزوجين هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان أو المتساويان، ومنه قوله تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [الصافات : 22]، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم. وقاله الإمام أحمد أيضاً : ومنه قوله تعالى: وإذا النفوس زوجت [التكوير: 7]، أي : قرن بين كل شكل وشكله في النعيم والعذاب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الآية: الصالح من الصالح في الجنة، والفاجر مع الفاجر في النار . وقاله الحسن ، وقتادة ، و الأكثرون.
وقيل زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين، وهو راجع إلى القول الأول. وقال تعالى: ثمانية أزواج [الأنعام : 143]، ثم فسرها: من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين [الأنعام:144]، فجعل الزوجين هما الفردان من نوع واحد، ومنه قولهم : زوجا خف، وزوجا حمام ونحوه، ولا ريب أن الله سبحانه قطع المشابهة والمشاكلة بين الكافر والمؤمن، قال تعالى: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة [ الحشر:20]. وقال تعالى في حق مؤمني أهل الكتاب وكفارهم: ليسوا سواء من أهل الكتاب [آل عمران: 113] الآية، وقطع المقارنة سبحانه بينهما في أحكام الدنيا، فلا يتوارثان، ولا يتناكحان، ولا يتولى أحدهما صاحبه، فكما انقطعت الوصلة بينهما في المعنى انقطعت في الاسم، فأضاف فيها المرأة بلفظ الأنوثة المجرد، دون لفظ المشاكلة والمشابهة.
فتأمل هذا المعنى تجده أشد مطابقة لألفاظ القرآن ومعانيه، ولهذا وقع على المسلمة امرأة الكافر، وعلى الكافرة امرأة المؤمن لفظ المرأة دون الزوجة تحقيقاً لهذا المعنى، والله أعلم.
وهذا أولى من قول من قال: إنما سمى صاحبة أبي لهب امرأته ولم يقل لها زوجته، لأن أنكحة الكفار لا يثبت لها حكم الصحة، بخلاف أنكحة أهل الإسلام فإن هذا باطل بإطلاقه اسم المرأة على امرأة نوح وامرأة لوط، مع صحة ذلك النكاح.وتأمل في هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقة سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى: ولكم نصف ما ترك أزواجكم [النساء:12]، إيذاناً بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب ، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث.
وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين." انتهى كلامه

ويظهر من كلامه وما نقله عن أهل العلم -رحمهم الله- أن هناك فرق بديع بين الاستعمال زوج واستعمال امرأة .
ويتضح كذلك , البيان للآيتين اللتين أشكلتا على المتحاورين الأفاضل وهما قول الله تعالى : { فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها ..} وقوله تعالى : { وكانت امرأتي عاقراً ..}

هذا والله أعلم , وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم . (منقول للفائدة)


via Twishort for iOS

Retweet Reply